المقريزي

435

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ولم يكن عند أحد منهم ما يستدلّ به على وحدانية اللّه تعالى ، وعلى إثبات نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، سوى كتاب اللّه ، ولا عرف أحد منهم شيئا من الطّرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة . فمضى عصر الصّحابة - رضي اللّه عنهم - على هذا ، إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر ، وأنّ الأمر أنف : أي أنّ اللّه تعالى لم يقدّر على خلقه شيئا ممّا هم عليه . وكان أوّل من قال بالقدر في الإسلام معبد بن خالد الجهني ، وكان يجالس الحسن بن أبي الحسن البصري ، فتكلّم في القدر بالبصرة ، وسلك أهل البصرة مسلكه لمّا رأوا عمرو بن عبيد ينتحله . وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه ، ويعرف بالأسواري . فلمّا عظمت الفتنة به ، عذّبه الحجّاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين . ولمّا بلغ عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنهما - مقالة معبد في القدر تبرّأ من القدريّة . واقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة ، وأخذ السّلف - رحمهم اللّه - في ذمّ القدريّة ، وحذّروا منهم كما هو معروف في كتب الحديث . وكان عطاء بن يسار قاضيا يرى القدر ، وكان يأتي هو ومعبد الجهني إلى الحسن البصري ، فيقولان له : إنّ هؤلاء يسفكون الدّماء ، ويقولون : إنّما تجري أعمالنا على قدر اللّه . فقال : كذب أعداء اللّه فطعن عليه بهذا ومثله . وحدث أيضا في زمن الصّحابة - رضي اللّه عنهم - « مذهب الخوارج » ، وصرّحوا بالتّكفير بالذّنب ، والخروج على الإمام وقتاله . فناظرهم عبد اللّه بن عبّاس - رضي اللّه عنهما - فلم يرجعوا إلى الحقّ ، وقاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - وقتل منهم جماعة كما هو معروف في كتب الأخبار . ودخل في دعوة الخوارج خلق كثير ، ورمي جماعة من أئمّة الإسلام بأنّهم يذهبون إلى مذهبهم ، وعدّ منهم غير واحد من رواة الحديث كما هو معروف عند أهله . وحدث أيضا في زمن الصّحابة - رضي اللّه عنهم - « مذهب التّشيّع لعلي بن أبي طالب » - رضي اللّه عنه - والغلوّ فيه . فلمّا بلغه ذلك أنكره ، وحرق بالنّار جماعة ممّن غلا فيه ، وأنشد : [ الرجز ] لمّا رأيت الأمر أمرا منكرا * أجّجت ناري ودعوت قنبرا وقام في زمنه - رضي اللّه عنه - عبد اللّه بن وهب بن سبأ - المعروف بابن السّوداء السّبئي - وأحدث القول بوصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعليّ بالإمامة من بعده ، فهو وصيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وخليفته على أمّته من بعده بالنّصّ . وأحدث القول برجعة عليّ بعد موته إلى الدّنيا ، وبرجعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أيضا . / وزعم أن عليّا لم يقتل ، وأنّه حيّ ، وأنّ فيه الجزء الإلهي ، وأنّه هو الذي